Overblog Tous les blogs Top blogs Politique Tous les blogs Politique
Editer la page Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Souhail Arfaoui / Writing Pad of Human Sciences

في فلسفة التأويل

Souhail Arfaoui

بيَن بول ريكور في كتابه صراع التأويلات : محاولات هرمونيطيقية، ان تاريخ الفلسفة المعاصر قام على اساس التأويل و تأويل معاكس لتاريخ الذات و سجل في مقام ثان أهم حدث في الفلسفة المعاصرة و نعني به موت الانسان كذات واعية مقتدرة و فاعلة في التاريخ و نحت الذات.

لكن قضية التأويل ليست مسألة فلسفية محضة بل انها تجد جذورها في النصوص الدينية وهذا ما بينته الدراسات حول الانجيل بعهديه القديم و الجديد معتبرة ان النص الديني هو الفسحة التي ينطلق منها التيار التأويلي ، تأويل النصوص الدينية و كان الغرض منها الوقوف على المعاني المعقدة و استخلاص الباطن من الظاهر ، يقول موريس بلانشو : "ان تكون في الداخل معناه ان تجعل الداخل خارجا" ويعني بذلك الانثناء و الانطواء الفكري على النصوص وهو ضرب من السحر والاستنباط الخرافي لكنه يحمل ابداعا قد لا نجده على قارعة الطريق بعبارة هايدغير بل هو انشاء ذاتي تعجز الذات عن فهمه و تبريره.

لكن صراع التأويلات كما حدده ريكور يطرح اشكالية القول الفلسفي من حيث مجال التأويل. لقد بين هيغل ان التفلسف هو ارتقاء بالكلمة الى مستوى المفهوم، و اذا اردنا السير على خطى هيغل و تحويل كلمة التأويل هو اَلية تقنية و اجراء منهجي ارتبط بتأويل الكتاب المقدَس نظرا لما يفترضه هذا الكتاب من مسايرة للأحداث المعيشية و التطورات الاجتماعية و العقائدية، و لقد بيَن هانس جورج غادامار في كتاب المنهج و الحقيقة انَ الاصل التيولوجي للتأويل لا يبتعد كثيرا عن التراث الفلسفي ، اذ المقصود منه هو فهم وتمثَل النصوص الفلسفيَة و اعادة بنائها و تفكيكها و الغرض هو بناء عنصر الفرادة للمؤول ، لكن التأويل يتجاوز حدود النص الى ما بعد المكتوب ربَما يكون المنطوق أو السَلوك او منظومة القيم أو السياسة أو حتى العلم ،المهمَ في ذلك هو أنَ التأويل في جوهره فهم و تفكيك .

هذه المماثلة بين التأويل الفلسفي و الديني هي مماثلة منهجية فقط ،فان التأويل الفلسفي استلزمته عدَة اسباب يمكن تقسيمها الى ما هو ذاتي و ما هو موضوعي و ينتفع فيها الفيلسوف بهاجس الابداع الذَاتي،لكنَ ذاتية الفيلسوف ليست مفصولة أو متعالية على واقعه بل هي اٌليَة مرتبطة بزمانها و بمقتضيات القول الفلسفي وهذا ما سجَله هيغل في دروس برلين لسنة 1928 حين اكَد "انَ مهمَة الفلسفة لا تنحصر فيما هو كائن "ومهما يكن من الامر فانَ الفيلسوف يخضع لواقعه بكلَ مستلزماته السياسيَة و العقائديَة و الاقتصادية وحسبنا انَ هذه المستلزمات هي التي تدفع ليمارس فعل التأويل ربَما يستطيع أن يتمثَلها حتى ينتصب شبيها ببومة الحكمة عند الرَومان "بومة مينارفا".

لقد كان تاريخ الفلسفة تاريخا حركيَا من الفلسفة الارسطيَة الأفلاطونيَة وتمتدَ هذه القائمة الى غادامار و كارل اتو ابل و جيل دو لوز، ولقد بيَن هذا الأخير أنَ التَاريخ قائم على تكرار المفاهيم التي تمَ ابداعها فيم سبق لكن بغرض رسم الاختلافات و المسافة "لا بدَ للمفاهيم أن تحمل توقيع مبدعيها" كتب جيل دولوز بمعيَة فيليكس غاتاري في كتاب "ما الفلسفة؟". هذا الثنائي جعل التأويل حركة نقدية اذ ليس المقصود بتكرار المفاهيم تكرارا أعمى لها مثلما درجت في المعاجم الفلسفيَة وامكاناته ومدى استجابته لعصرنا فالنقد هو "مجرَد معاينة لمفهوم في حالة تلاشي فاقد لمكوَناته مكتسبا لأخرى من شأنها أن تغيَره و ذلك حين يغوص في وسط جديد" و نقصد بهذا الوسط "مسطَح المحايثة" بماهو نتيجة للتأويل .

يبدو مسطَح المحايثة مجرَد مفاهيم تتجمَع جنبا الى جنب لكنَه مجموعة مفاهيم تتجمَع لتفضي معنى و تحتضن الواقع و تقدَم امكانات جديدة للتفكير و للحياة لذلك فانَ التَعامل التأويلي مع التَراث الفلسفي ليس اقصائيَا "فإذا أمكننا الآن أن نظلَ أفلاطونيَين أو ديكارتيَين أو كانطيَين فيحقَ لنا أن نفكَر بأنَ مفاهيمهم يمكن أن تستعيد فاعليتها عبر مشاكلنا و عصرنا". إنَ التراث العقلاني يصطدم بتراث لاعقلاني يكون عائقا للتفكير وسندا للبداهة، للمسايرة و الخضوع، ولقد علَمنا الدرس الكانطي حول عصر الأنوار أن نفكَر بأنفسنا فكيف يمكن أن يتحوَل التأويل من مجال فهم التراث العقلاني الى مجال تمثَل التراث اللاعقلاني و قد جسَدته العادات و التقاليد و دعَمته العقائد والطقوس السَلوكيَة.

التراث اللاعقلاني يتميَز بالتَسليم بالسَائد و المألوف فأينما ولَيت وجهك فثمة سائد ربَما اعتقد الانسان العادي في صحَته، لكنَ الذَي يتعلَم السؤال و الشَك يتبيَن أنَه واقع يستلزم تفكيكا بغرض فضح الأسس اللاعقلانيَة و الثورة على سلطة بالية كسلطة السائد وهو ما تجعله الفلسفة محلَ مسائلة و موضوع تفكير حتَى يستجيب لمقتضيات قولها علما وأنَ الفلسفة لا تنظر للسائد نظرة إقصائيَة منذ البدء ، بل تسعى لفهمه و تأويل مظاهره في مستويات عديدة ، لاحظ عالم الاجتماع دوركايم أنَ المجتمع هو الذَي وضع فينا عند تربيتنا منظومة قيم وكتب في كتابه "علم الاجتماع" : "ليس هناك أخلاق دون إنظباط أو نفوذ " وهذا يعني أنَ الفرد الذَي لا يطيع أفراد المجتمع في أخلاقهم يعاقب بالإحساس بالذنب و تأنيب الضَمير ، لكنَ هذه الدَراسة للمنظومة الأخلاقيَة يسجَل أمرا يتعلَق بضرورة النَظر إلى هذه المنظومة باعتبارها معطى يستلزم التأويل و النقد وهنا ينتصب المشروع الجينيالوجي النيتشوي حيث بيَن نيتشه أنَ الأخلاق ليست حقيقة ثابتة لا تقبل النسيب بل هي أفضل وسيلة تمويه "فما العمل لو كان في الرَجل الطيَب أعراض النكوس أو إغراء أو سمَ يمكَن الحاضر من أن يعيش على حساب ألمستقبل وما العمل لو كان الإنسان من الطيبة قناعا ،يجب إذن الشَك في الأخلاق و إعادة كتابتها على شكل "هيزيود".

يقيم نيتشه تأويلا جديدا للأخلاق إذ لم تعد حقيقة ثابتة مثلما إعتقد كانط و شوبنهاور،بل أصبحت دافعا للتأويل حيث أرجع نيتشه كلَ القيم الأخلاقيَة الى أصلها و منشئها وأصبحت قيم الطيبة التَي يرفعها العبيد ملجأ للضعفاء و وسيلة لإخفاء الوهان الفيزيولوجي و الضعف النفسي . لكنَ الفلسفة لم تكتفي بتعرية الأخلاق بل اتجهت إلى البعد العملي وهو بعد ثلاثي : اجتماعي ، اقتصادي وسياسي ، ولا شكَ أنَ هذا البعد المتساند و المترابط إنَما شكَلته مجموعة عوامل غير ظاهرة للعيان إنَها موغلة في الصغر تختفي وتتوارى عن الأنظار و تتنكًر باستمرار بأقنعة رمزيَة كالديمقراطية والحريَة وحقوق الإنسان . ولئن كانت الدولة راعية للحرَيات فهي بذلك مؤسَسة للنَظام فلو فرضنا الإقتداء ب "توماس هوبز" لتبلورت صورة الإنسان الفوضوي و لصارت حياته فاقدة للنَظام ، ولمَا كان الإنسان كائن رغبة لا يرغب الَا فيم يفيده ، كانت الدولة بذلك تحقيقا لرغباته و مطالبه ألا وهي الحريَة و العدالة.

لقد أكَد هوبز أنَ الإنسان كائن عنف و شدَة بطبيعته فهو دائم النَزوع إلى الفوضى و القوَة ولمَا كانت الدولة هي مجموعة أفراد لزم أن تقترن بمفهوم العنف الذَي هو في مفهومه يعبَر عن إفراط في في القوَة أمَا القوَة فهي المعادل بين العنف والضعف فهي بذلك تشبه معادلة الجبن و التَهوَر حسب أرسطو إلاَ أنَ ملازمة العنف للدولة يتمظهر في عديد المجالات ويتَخذ عديد الأشكال فالدولة حبلى بالعنف والعنف يتولَد منها ذلك أنَه لا يمكن الحديث عن الدولة دون الحديث عن العنف و الممارسات العنيفة بكلَ جوانبها ، ولو عدنا بالزَمن قليلا لوجدنا أنَ جميع الأفراد الذَين أرادوا الاستئثار بالحكم قد أقرَوا أنَ العنف هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة من ذلك الثورة البلشفية لروسيا القيصريَة بقيادة تروتسكي الذَي آمن بأنَ العنف هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة على نظام حكم معيَن أو مجموعة من الأفراد بهدف الإرهاب ونشر الخوف لدى الشعب وهو ما أكَده بول ريكور في كتابه "التَاريخ و الحقيقة" حينما بيَن أنَ حياة الفرد في جانبها السياسي إنَما تقوم على العنف كوسيلة تأديبيَة أو جزائيَة .

بقلم : سهيَل العرفاوي

في فلسفة التأويل
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :